الكوميديا البشرية :
"الكوميديا البشرية" أقصد فيه ما فهمته وأنا لا زلت غضاً وخاماً وقاصراً، أي عبثية البشر وملهاتها؛ بل أني أذهب لأبعد مما ذهب إليه "أرسطو" في تعريفه لكلمة كوميديا حيث قال: (الكوميديا هي ما يبعث على الضحك منها هو النقيصة التي لا تسبب الألم). أما أنا فأقصد بالكوميديا هنا هي مجون وهزلية ولعب وازدراء واستهتار وتخبط وفوضوية البشرية ولا ضحك فيها، فالكوميديا عندي لا تبعث على الخشوع ككوميديا الإغريق ودانتي، ولا تدعو للضحك ككوميديا أرسطو؛ بل هي كوميديا المضحك المبكي بسبب تناقضها وعبثيتها، ولمن يقول أن البشرية أنجزت الكثير فأقول حتى إن كانت هنالك إضاءات أو إنجازات أو تقدم يذكر فهو نتائج لتفاعلات وتدافعات ومشاحنات عشوائية غير مخطط لها ولا مخطط لها، مثل مقامر يكسب حيناً ويخسر غالباً، لكنه كسباً لا يشكر أو يحمد عليه، فلم يأتِ من فكر وعمل؛ بل من عبثٍ وتجريب ولعب.
تحفة أثرية خالدة، وعمل أدبي هو الأضخم والأعظم في تاريخ الأدب الإيطالي، وواحدة من أعظم مائة كتاب في تاريخ البشرية، وأكثر الكتب طباعة ونشرا وترجمة بعد الكتب السماوية المقدسة في العالم... إنها "الكوميديا الإلهية". رحلة رمزية فريدة عبر عوالم أُخروية قام بها أعظم كتاب القرون الوسطى قاطبة "دانتي أليجييري" لإنقاذ روحه بعد أن تاه في غابة مظلمة، رمز الحياة الآثمة، فيقوده "فيرجيليو"، رمز العقل، نحو "الجحيم" و"المطهر" ثم تقوده "بياتريتشي"، رمز الإيمان، نحو "الفردوس"... إنها رحلة طويلة ومضطربة صوب المعرفة والإيمان تعج بالرموز التي أكسبتها إبهاما وتعقيدا وبريقا في عيون القراء والنقاد والمفسرين. نقل البشرية جمعاء من حالة البؤس والشقاء إلى حالة السعادة والهناء هو أحد مآرب كتابنا هذا حسبما ورد على لسان كاتبه من خلال الغوص في أعماق التاريخ وسرد التجارب الحياتية الثرية، وتصنيف البشر طبقا لأعمالهم في دنياهم ما بين جهنم ومطهر وفردوس، ومن خلال ما احتواه العمل من فلسفة وحكمة وأخلاق وعاطفة. قوة البناء ومتانة الأسلوب وترابط المعاني سمات تنفرد بها هذه الملحمة دون غيرها.