ما زلت أتذكر ذلك التجمع الغريب لأقاربنا في بيتنا يوم ذهاب أبي وأمي لتسلم أختي من مخفر شرطة المدينة كلهم حضروا إلى بيتنا باكرا في صباح ذلك اليوم من أجل رؤية المولودة الجديدة والتفوا حول شاشة التلفاز منصتين إلى قائمة الأسما الطويلة التي كانت تتلوها مذيعة شابة إلى حين عودة أبي وأمي قبل أن يهللوا عندما ذكرت تلك المذيعة اسم أختي سألت خالتي بدهشة مما يحدثهل تجمعتم هكذا يوم ذهاب أبي وأمي لإحضاري من المدينةقالتلا لم يذهب أبوك وأمك أصلا إلى المدينة لتسلمك إنك مثل بقية أطفال القرية تسلمك أبواك من مخفر القرية المحلي أما سوزان فالوضع يختلف معها بعض الشي إنها من ذوات الياقة الزرقا قبل أن تتنهد وتردف بنبرة شاردة لقد أرسل الله إلى عائلتنا تلك الطفلة في الوقت المناسب تماما
امتدت فترة كتابة هذه القصص لسنوات طويلة امتدت من عام 1987 بقصة "الرائحة"، إلى عام 2013 بقصة "الله يطول بعمره". وكتبت جميعها تحت وطأة استبداد ثقيل جعل تفكيرنا شبه مشلول وجعلنا جلادين ومراقبين مجانيين على أنفسنا، ومن "الطبيعي" أن يتم الاعتذار عن نشر معظمها كما حصل مع قصة "الرائحة" التي اعتذرت عن نشرها او تجاهلتها كل الصحف التي أُرسِلت اليها في ذلك الوقت، وكذلك حصل مع عدة قصص اخرى.
جميع القصص يجمعها همٌّ واحدٌ وأجواء متشابهة تجري أحداثها في الجو الامبراطوري بما لمفردة الامبراطور من دلالات لا يحتاج القارئ إلى جهد أو مساعدة من أحد في فك رموزها، وتتحدث عن همٍّ عام يشعر الجميع بوطأته بدون استثناء، البعض كان يجهر به في الأوقات التي كتبت فيها القصص والبعض كان يكتمه، ولكن رغم اضطرار الغالبية للصمت ودفع من فتح فمه ثمناً باهظاً لعدم الصمت إلا أنه كان بالنسبة للجميع هماً ثقيلاً لا يمكن للإنسان أن يألفه، أو على أقل تقدير أن يتمنى بينه وبين أن زواله.
هذه القصص كانت ضمن أشكال التعبير عن ذلك الوجع العام، بعضها قُدِرَ لها الخروج إلى الشاشة -في بعض فترات الإنفراج القليلة- لتصل إلى الجمهور ولو بصياغات مختلفة عن قصص الكتاب، وبعضها ظل حبيساً حتى سمحت له الظروف بالظهور على صفحات هذا الكتاب الذي بين أيديكم.